عبد الملك الجويني
266
نهاية المطلب في دراية المذهب
2597 - وتمام البيان في ذلك : أن المقدار القليل من الطيب ، لو غمره مقدارٌ كثير ، مما ليس طيباً ، فاستعمل المحرم منه ، ما يستيقن أنه يشتمل على جِرم الطيب ، فللأصحاب في هذا تردُّدٌ : فاعتبر بعضهم استيقان اتصال الطيب ، وهو محقَّقٌ ، والرائحةُ غير زائلةٍ ، ولكنها مغمورة ، والمغمورُ كالكائن الظاهر ؛ ولهذا قال الأصحاب : إذا تغيرت رائحة الماء الكثير بالنجاسة ، وحكم بنجاسته لذلك ، فلو طُرح في الماء كافور ، فغمر رائحة النجاسة ، فالماءُ محكوم بنجاسته . وقال بعضهم : لا يثبت حكم التطيب ؛ إذ لا رائحة . والمسألة فيه إذا كانت [ الرائحة ] ( 1 ) لا تثور بعلاجٍ ، لقوّة الغَمر ، ثم إن هؤلاء قالوا : لو انغمرت الرائحة وبقي الطعم [ أو ] ( 2 ) اللون ، فالأمر محتملٌ . الظاهرُ ( 3 ) أن استعماله تطيب ، ولهذا قال الشافعي : إن كان الخبيص بحيث يصبغ اللسانَ ، تعلّق وجوبُ الفدية بتعاطيه ، وإن زالت رائحة الزعفران . وقال بعض الأصحاب : الرائحة هي المعنية ، وحقٌّ على الناظر ، أن يميز بين ما يجري بسبب الانغمار ، وبين أن يمّحق ريح الطيب مع بقاء جِرمه . ولم أر أحداً من الأصحاب يفصّل بين القليل من الطيب والكثير ، فَصْلَهم في النجاسات ، ولعمري لا فَصْلَ ؛ فإن المعتمدَ في النجاسات تعذُّر الاحتراز ، وتيسره ، ولا جريان له في الطيب . وليت شعري ماذا نقول فيما لا يدركه الطرف من الطيب ؟ والعلم عند الله تعالى فيه . 2598 - فأما المقصود الثالث - وهو الكلام في العمد ، والنسيان : فإذا تطيب المحرم ناسياً إحرامَه ، لم يلتزم الفديةَ عندنا ، قياساً على أكل الصائم ناسياً ، وكلام المصلّي كذلك ، خلافاً لأبي حنيفة ( 4 ) .
--> ( 1 ) ساقطة من الأصل . ( 2 ) في الأصل : " و " . ( 3 ) كذا . وهو استعمالٌ صحيح ( بدون واو ) . ( 4 ) ر . بدائع الصنائع : 2 / 192 ، حاشية ابن عابدين : 2 / 200 ، مختصر اختلاف العلماء : 2 / 198 مسألة : 661 .